الشيخ محمد رشيد رضا
521
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لان العدل - وهو مصدر - لا يؤخذ أخذا ، ويجوز أن يضمن الاخذ معنى القبول ، وان يعاد الضمير على العدل وهو الفداء بمعنى المفدي به وان عدهنا من قبيل الاستخدام . وقد استعمل العدل في سورة البقرة بمعنى المعدول به أي الفدية وأسند إلى الاخذ وإلى القبول ، قال ( 2 : 47 وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) وقال ( 2 : 122 وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) والمراد من هذه الآيات وما في معناها إبطال أصل من أصول الوثنية وهو تعليق النجاة في الآخرة ( كنيل كثير من المقاصد في الدنيا ) بتقديم الفدية أو بشفاعة الشافعين ، وتقرير أصل الدين الآلهي وهو أن النجاة في الآخرة ورضوان اللّه والقرب منه لا تنال الا بما شرعه اللّه على ألسنة رسله من الايمان والاسلام - وبعبارة أخرى بالعمل الصالح الذي تتزكي به الأنفس مع الايمان الاذعاني باللّه وبرسله وما جاؤوا به ، ومن أبسلهم كسبهم للسيئات والخطايا واتخاذهم الدين لعبا ولهوا وغرورهم بالحياة الدنيا فلا تنفعهم شفاعة ولا تقبل منهم فدية أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا أي أولئك الموصوفون بما ذكرهم الذين أسلموا للهلكة وارتهنوا وحبسوا عن دار السعادة بسبب ما كسبوا من الأوزار والآثام حتى أحاطت بهم خطاياهم ولم يكن لهم من دينهم الذي اتخذوه لعبا ولهوا ما يزجرهم عنها . وما ذا يكون جزاؤهم بعد الابسال ؟ لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي لهم شراب من ماء حميم وهو الشديد الحرارة - ويطلق على الشديد البرودة أيضا - وعذاب شديد الألم بسبب كفرهم ، الذي ظلوا مستمرين عليهم طول حياتهم ، حتى صرفهم عما جعله اللّه تعالى - لو اتبعوه - سبب نجاتهم . أو التقدير : أولئك المبسلون بكسبهم لهم شراب من حميم وعذاب أليم باستمرارهم على كفرهم . وبهذا ظهر الفرق بين التعليل الأول بالكسب والتعليل الثاني بالكفر فالأول ذكر بصيغة الماضي والثاني بصيغة المستقبل الدال على الاستمرار . فلو لا رسوخهم في الكفر الذي أفسد فطرتهم حتى أصروا عليه إصرارا دائما دل على « تفسير القرآن الحكيم » « 66 » « الجزء السابع »